انقطاع السلسلة: قراءة في انحدار منظومة الأخلاق المعاصرة
وصف يعبر عن مراحل انحدار منظومة الأخلاق
تُعد الأخلاق الركيزة الأساسية التي تحفظ توازن المجتمعات وسلامة أفرادها وانعدامها يشكل تهديدا لديمومة القيم الانسانية، إلا أن ما يشهده المجتمع العراقي بوقتنا الحاضر يشير إلى حالة من التراجع والانحدار المقلق بمستوى الاخلاق؛ إذ يبدو أن “صلة الوصل” التي كانت تربط الأجيال بقيمها ومعاييرها قد انقطعت، مما أدى إلى غياب المكملات الضرورية لاستمرار هذه المنظومة.
الأخلاق منتج بشري وتراكم تاريخي
إن المنظومة الأخلاقية ليست مجرد قواعد جامدة، بل هي نتاج بشري بامتياز، بُنيت وتطورت عبر مراحل تاريخية طويلة واستلهمت أسسها من الاسرة والثقافة المتمثلة بالعادات والتقاليد التي تميز مجتمعا عن آخر، والقوانين التي تضع حدوداً للسلوك المقبول والمرفوض. لقد كانت الأخلاق دائماً نتيجة طردية لتصرفات البشر وتفاعلهم مع واقعهم، هي مجموعة من المفاهيم المتناقلة التي تبنتها الأمم والأعراق المختلفة، وصقلتها التجربة الإنسانية عبر الأزمنة لتصل إلينا كإرث حضاري يوجه السلوك العام للناس ويحفظ حقوقهم والحدود بينهم.
إيذاء الآخرين يتنافى مع الاخلاق
لكل إنسان ضمير يتحكم بتصرفاته، ويمكن ان نطلق عليه أحياناً الشعور الداخلي او الرقيب، الذي يخبرنا بأن الصدق جيد يفضي الى سلامة المرء فضلا عن العقل فهو مصدر مهم لاستلهام الأخلاق وقيمها المتعددة، بينما إيذاء الآخرين وتخطي الحدود عبر سلوكيات مغلوطة او خاطئة، سيئ للغاية ويتنافى مع القيم الاخلاقية التي تبلورت من الطبيعة البشرية.
الفجوة الراهنة: صدمة الغياب
تكمن المشكلة الجوهرية في حياتنا الراهنة في أن هذا التسلسل التاريخي قد واجه انكساراً حاداً، فنحن نعيش اليوم في واقع تكاد تكون فيه الأخلاق مفقودة أو مغيبة، حيث لم يعد هناك ترابط بين القيم الموروثة وبين الممارسات اليومية وهذا ما نلمسهُ حاليا في طرق تعامل الناس فيما بينها، والشارع أفضل مثال لمقياس الاخلاق ويوميات حياتنا تعكس مدى تفاقم حالة اللامبالاة لصون حدود الاخلاق لا سيما لدى الجيل الجديد الذي يصعب التفاهم معه. هذا الانقطاع يعني أننا فقدنا “البوصلة” التي تطورت عبر آلاف السنين وخلقت مسارا اخلاقيا مقبولا، وهذا الحال المربك يضع المجتمع العراقي أمام تحدٍ وجودي لاستعادة تلك الروابط قبل أن ينهار الهيكل القيمي بالكامل، فنحن بحاجة لثقافة متجددة، ترتكز مفاهيمها على سلوكيات ناضجة، أسست لمجتمعات سليمة قامت على ركائز الصدق، والإخلاص، وإعلاء القيم الإنسانية، وهنا لا بد من التذكير بأن النظم السياسية والاجتماعية والفعاليات الدينية تلعب دورا مهما في بلورت القيم الاخلاقية، وانعكاسات هذه النظم المسؤولة تتضح من خلال الواقع الذي نعيشه في زمننا الحاضر.