أزمة الرواتب تعصف بالبلد والذهب الاسود كان ولا يزال أول وأخر الحلول
أزمة الرواتب في العراق تتفاقم بسبب اضطراب النفط وغياب بدائل التصدير. تعرف على التحديات الاقتصادية وسبل الخروج من المأزق.

تواجه الحكومة العراقية أزمة مالية حادة لم تكن مفاجئة، بل كانت متوقعة منذ بداية التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بحسب تقديرات المختصين في القطاع النفطي والشأنين المالي والاقتصادي. ويعود ذلك إلى أن مضيق هرمز كان ولا يزال المنفذ الرئيس لتصدير النفط العراقي إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في التوترات الإقليمية سبباً مباشراً لاضطراب حركة الملاحة فيه، وما يترتب على ذلك من انخفاض في الصادرات النفطية العراقية وتراجع الإيرادات المالية للدولة.
نتحدث عن نقص حاد في السيولة نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة، التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، والذي يُعد المنفذ الوحيد لتصدير النفط العراقي إلى العالم. وهنا يكمن الخلل، إذ لم تتمكن الحكومات المتعاقبة خلال 23 عاماً من إيجاد منفذ آخر لشريان الاقتصاد العراقي، رغم المطالبات والمناشدات الكثيرة من قبل المختصين بضرورة إيجاد خطوط تصدير بديلة. فقد بلغ متوسط الصادرات النفطية العراقية قبل إغلاق مضيق هرمز نحو 3.6 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 107 ملايين برميل شهرياً، محققة إيرادات تقدر بنحو 8 مليارات دولار شهرياً.
لكن بعد إغلاق المضيق، انخفضت الإيرادات بشكل حاد، مسجلة تراجعاً تجاوز 70–80%، لتبلغ نحو 1.5 مليار دولار شهرياً فقط. إذ باعت شركة تسويق النفط العراقية خلال شهر تموز الماضي ما بين 35 و37 مليون برميل فقط عبر مضيق هرمز، بحسب بيانات منصة تتبع حركة السفن "كبلر"، مع الأخذ بنظر الاعتبار تصدير نحو 7 ملايين برميل عبر الأنبوب الواصل إلى ميناء جيهان التركي.
من جهة أخرى، اعتمدت الحكومات المتعاقبة على تصدير النفط وتوزيع عائداته على الموظفين في القطاع الحكومي على شكل رواتب شهرية، في ظل غياب شبه تام للقطاع الخاص والقطاعات الإنتاجية الأخرى، ولا سيما الزراعية والصناعية. وبذلك يسهل تشخيص هشاشة الاقتصاد العراقي، إذ يبدو واضحاً أنه اقتصاد يعتمد على قطاع واحد ويصدر نفطه عبر منفذ واحد. وقد كان مجرد اضطراب الأوضاع في مضيق هرمز كفيلاً بتكبيد العراق خسائر كبيرة في صادراته النفطية وخسارة ملايين الدولارات نتيجة توقف تلك الصادرات.
إن الأزمة التي تواجهها الحكومة اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لتراكمات طويلة من الإخفاق في تنمية القطاع الخاص، الأمر الذي دفع أعداداً كبيرة من المواطنين إلى البحث عن التوظيف في القطاع الحكومي بوصفه الخيار المتاح الوحيد أمامهم، حيث بلغ إجمالي رواتب الموظفين (المدنيين والعسكريين)، والمتقاعدين، ومستفيدي الرعاية الاجتماعية نحو 7.8 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل 6.25 مليار دولار شهرياً، وهذا يساوي نسبة 65% من إجمالي الموازنة العامة. وبات الترهل الوظيفي واضح الأثر في إرهاق المالية العامة للدولة مع وجود نحو أربعة ملايين موظف، في وقت لا تحقق فيه العديد من الوزارات ومؤسسات الدولة إيرادات تكفي لتأمين رواتب موظفيها على أقل تقدير.
ومن وجهة نظرنا، فإن أحد أهم أسباب تفاقم هذه الأزمة واتساع نطاقها هو إسناد إدارة الاقتصاد العراقي إلى جهات سياسية متنفذة في الدولة، حيث كانت الوظائف الحكومية من أبرز أدوات الحملات الانتخابية التي استُخدمت فيها مقدرات الدولة لاستقطاب الأصوات الانتخابية. وقد نتج عن ذلك ترهل وظيفي كبير لا يمكن معالجته إلا بقرارات جريئة وحاسمة، يتم من خلالها الاستغناء عن آلاف الموظفين الحكوميين غير المنتجين.
وقد يتصور البعض أن هذا إجراء بسيط يمكن تنفيذه بتوقيع من رئيس الحكومة، لكن السؤال الجوهري هو: هل تقبل القوى السياسية التي وظفت مئات الآلاف في الوزارات والدوائر والهيئات الحكومية، والتي تبنت الاقتصاد الريعي واستخدمت موارد الدولة لكسب الأصوات الانتخابية، بمثل هذا الإجراء التصحيحي للاقتصاد العراقي مقابل خسارة قاعدتها الجماهيرية والانتخابية؟ أم أنها مستعدة للتضحية بمقدرات البلد من أجل البقاء على رأس السلطة؟
إن حملة مكافحة الفساد لا تقل أهمية عن مكافحة الإرهاب، بل قد تكون أكثر أهمية في بعض الجوانب، نظراً لما يسببه الفساد من استنزاف لمقدرات الدولة وإعاقة لمسيرة التنمية. وبذلك، يتعين على الحكومة العراقية الشروع ببرنامج شامل لتنمية القطاع الخاص وتوفير فرص العمل فيه.
وستتحقق من ذلك فائدة مزدوجة؛ الأولى أن الفرد العراقي سيكون أكثر استقلالية وحرية في العمل وفق قدراته واجتهاده ضمن القطاع الخاص، مما يقلل من اعتماده على الوظيفة الحكومية. أما الفائدة الثانية فتتمثل في تعزيز اقتصاد البلد من خلال استقطاب العملة الصعبة عبر الشركات العالمية المستثمرة في العراق، فضلاً عن الخبرات العلمية والعملية التي سيكتسبها العاملون فيها، الأمر الذي يسهم في بناء جيل جديد قادر على قيادة القطاع الخاص.
استناداً إلى هذه الأرقام وسياسات الاقتصاد الريعي، لن يكون هناك حل لهذه المشكلة الكبيرة إلا من خلال تعديل قانون تقاعد العمال والضمان الاجتماعي، لكي لا تبقى الحكومة الجهة الوحيدة التي يتجه إليها الخريجون وحتى أصحاب الشهادات الأساسية. فالحكومة تمنح موظفيها حق التقاعد، في حين أن نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص لم يُطبق بالشكل المطلوب حتى اليوم، الأمر الذي يجعل الوظيفة الحكومية الخيار الأكثر جذباً. وعليه، فإن تطبيق الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص من شأنه أن يعزز القناعة بالتوجه إليه، كونه سيمنح مزايا مماثلة لتلك المتوفرة في القطاع الحكومي.