اثنا عشر عاماً على النزوح يوم خرج أهالي سهل نينوى بمفاتيح بيوتهم وعادوا بذاكرة خوف لم ينتهِ
في السادس من اب, ساعاتٌ قليلة غيرت مصير مجتمع كامل في سهل نينوى

"لم يكن أحد يتخيل أن ساعات قليلة ستكون كافية لتغيير تاريخ مجتمع كامل".
في مساء السادس من آب/أغسطس 2014، كانت الحياة في بلدات سهل نينوى تبدو، رغم القلق، أقرب إلى الاعتياد. جلسات عائلية، أطفال يلهون في الأزقة، وأجراس الكنائس التي لم تكن تعلم أنها ستصمت طويلًا. لكن مع اقتراب منتصف الليل، بدأت الأخبار تتسارع، وتبدد ما تبقى من الطمأنينة، قبل أن تتحول إلى موجة نزوح جماعي، تعد الأكبر في تاريخ المسيحيين العراقيين الحديث.
فخلال ساعات، أفرغت بلدات بغديدي، وكرمليس، وبرطلة، وتلكيف، وباطنايا، وبقية قرى سهل نينوى من سكانها، بعدما اقترب تنظيم داعش من المنطقة. لم يحمل معظم النازحين سوى الوثائق الرسمية، وقليلاً من الملابس، ومفاتيح المنازل التي اعتقدوا أن الغياب لن يطول، ليعودوا ويفتحوا ابوابها من جديد. غير أن ذلك الغياب امتد سنوات، وترك جروحاً ما تزال حاضرة بعد اثني عشر عاماً.
لم تكن رحلة النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت انتقالًا من حياة مستقرة إلى مستقبل مجهول. آلاف العائلات أمضت لياليها الأولى داخل الكنائس والقاعات والمدارس وحدائق الأديرة في أربيل وعنكاوا ودهوك، قبل أن تنتقل إلى الكرفانات والمجمعات السكنية المؤقتة. وبينما كان الآباء يبحثون عن عمل، كانت الأمهات يحاولن حماية أطفالهن من الخوف، فيما وجد جيل كامل نفسه يكبر بعيداً عن البيت الذي وُلد فيه.
"أغلقنا الباب... ولم نكن نعلم أننا لن نراه لسنوات"
هكذا وصف السيد بهنام يلدا تلك الليلة خلال حديثه لوكالة "الشرق بلس" قائلاً: ''لم تكن ليلة عادية أبداً، ففي حياتي كلها لم أرَ أبنائي الثلاثة وزوجتي خائفين إلى هذا الحد، اتخذت قراري بسرعة واخذت عائلتي واتجهنا في تلك الليلة إلى عنكاوا، أغلقنا الباب... ولم نكن نعلم أننا لن نراه لسنوات".
لم تكن الطرق المؤدية إلى أربيل تستوعب أعداد السيارات المتدفقة. ازدحمت المركبات بالعائلات، فيما اضطر كثيرون إلى المغادرة سيراً على الأقدام أو في سيارات مكشوفة، تاركين خلفهم كنائساً وبيوتاً ومحالاً وذكريات امتدت لعقود.
كان المشهد يتكرر في كل بلدة، أبواب تُغلق على أمل العودة بعد أيام، لكن الأيام تحولت إلى أشهر، ثم إلى سنوات.
"أطفالي كانوا يسألون: متى نعود؟ ولم أكن أملك جواباً"
السيدة سناء شمعون وهي أم لطفلين ذكرت لوكالة "الشرق بلس": ''كل شيء مشوشاً، عوائل تفترش الأرصفة، اطفالٌ يبكون، وباحات الكنائس ممتلئة بالنازحين. لكن اللحظة التي لا أستطيع نسيانها أبداً، عندما سألني أطفالي متى نعود؟ كنت أدخل في دوامة من الأفكار المبعثرة التي تُبعدني عن أي أجابةٍ على هذا السؤال.
في المجمعات والكرفانات ومراكز الإيواء، بدأت حياة جديدة فرضتها الضرورة. مدارس أُنشئت داخل الكرفانات، وكنائس تحولت إلى مراكز لتوزيع الغذاء والدواء، ومتطوعون حاولوا تعويض ما فقدته العائلات.
لكن أكثر ما كان يثقل كاهل النازحين لم يكن ضيق المكان، بل انتظار العودة. وبعد ثلاث سنوات من التهجير، حُررت محافظة نينوى، وبدأت العائلات بالعودة تدريجياً. وجد كثيرون منازلهم مدمرة أو محروقة أو منهوبة، فيما احتاجت الكنائس والمدارس والبنى التحتية إلى سنوات من إعادة الإعمار.
ورغم عودة عشرات الآلاف، اختارت عائلات أخرى الهجرة إلى الخارج، بعدما غيّرت سنوات النزوح نظرتها إلى المستقبل.
اليوم وبعد اثني عشر عاماً، استعادت بلدات سهل نينوى كثيراً من ملامحها. أعيد ترميم الكنائس، وفتحت المدارس أبوابها من جديد، وعادت الأجراس لتقرع.
لكن السادس والسابع من آب لا يمرا كأي يومين في ذاكرة أبناء المنطقة. ففي كل عام، تعود تلك الليلة بما حملته من خوف ووداع، لتذكرهم بأن الحياة يمكن أن تتغير في ساعات.
برزان عبدالغني _ الشرق بلس